مواضيع أكتوبر, 2010

من المستبد العادل نحو دولة الحق و المؤسسات

أكتوبر
28

من المستبد العادل نحو دولة الحق و المؤسسات

أو

من زيارة الشيخ محمد عبده  6 ديسمبر 1884 – 4 جانفي 1885 إلى زيارة المفكر د . طارق الحجي  10-18

أكتوبر 2010  و وعود المستقبل

بدء ذي بدء أشير أني استعملت مصطلح دولة الحق و المؤسسات للتأكيد على أن الغاية هي إقامة سيادة القانون الذي يكون في انسجام تام إلى حد الانصهار مع حقوق الإنسان الكونية و كما جاءت في العهود و الاتفاقيات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة و مبادئ الديمقراطية و الحكم الرشيد وفقا لتعريف المؤسسات الأكاديمية و المالية الدولية و بالتالي لا القوانين الاستثنائية و اللادستورية التي وجب إلغاءها مثل قانون الطوارئ بمصر … و أيضا تلك التعديلات للدساتير بهدف البقاء في الحكم مثل تعديل الفصل 40 من الدستور التونسي سنة 2002 , إن هذا الرجوع للخلف  و هذا  الشذوذ عن أسس  الديمقراطية و قواعد الحكم الرشيد و قيم الجمهورية و مبادئ الحداثة السياسية و هذا  الانحراف الضال نحو العودة إلى الحكم الفردي المطلق الاستبدادي  ,  ما هو إلا التجلي للتمسك في الأصل بما جاء في التراث خاصة نظام الحكم كما نظر له صاحب الأحكام السلطانية و إن قدم من هؤلاء المعاصرين و في الشكل الظاهر للعيان  بقشرة التحديث و من طرف موظفو  أجهزة الدولة الوطنية .

و لقد قدم الشيخ محمد عبده إلى تونس من باريس عقب نشوب خلاف له مع شيخه الأفغاني الذي دعا لتأسيس الجامعة الإسلامية و كان عبده –   الذي أصبح بعد ذلك شيخ الأزهر – يرى أن الإصلاح أساسه اندماج الإسلام في العصر و أن المطلوب هو إحياء الدين بالرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح من تقوى , و التقيد بالقرآن و السنة  , و مثل سائر السلفيين كان ضد بدع الأولياء و الطرق , و انتهى من سعيه في التوفيق بين العقيدة و العقل إلى القول أنه لا يوجد أي تناقض بين الحقيقة التي تقوم على المنطق العلمي الوضعي و بين القرآن الذي يحث على التقدم .

و يذهب بعض المؤرخين إلى أن التفاعل الإيجابي بينه و بين البعض من الزيتونيين المنفتحين الذين كانوا متأثرين بأفكار الوزير المصلح خير الدين و قابادو و خاصة الرأي القائل من أنه لا مناص من الأخذ عن الثقافة الغربية و الأمر الذي دفع به للاستغراب من وجود من يؤمن بالأفكار التي يريد الترويج لها ثم كان دافعا له للتقدم نحو تحقيق مشروعه .

و أعظم ما قدمت إقامة الشيخ محمد عبده بتونس للتونسيين  أن يكون أول مطلب للنخبة التونسية هو التعليم و مقاومة الجهل , و نجد آثار تأثير الشيخ عبده في تحول مواقف رشيد رضا من الحماية فبعد أن ظهر سنة 1902 كمعارض صلب للحماية الفرنسية التي كان يتهمها بأنها تكبح  جماح الثقافة العربية الإسلامية و تعزل الايالة عن سائر العالم الإسلامي هاهو يكتب في صحيفة المنار و الصادرة بتاريخ 22 سبتمبر 1903 نحن نعتقد أن السبيل الوحيدة المفتوحة أمام فرنسا تتمثل في حسن معاملة الأهالي و أنه على التونسيين و الجزائريين أن يتركوا السياسة جانبا و يولوا كل عنايتهم لتطوير العلم . و كما هو معروف لقد اتخذت حركة الشباب التونسي هذا المبدأ قاعدة لها .

صاحب المقولة الشهيرة ” الإمام المستبد “العادل” ؟؟؟ ” الشيخ محمد عبده حرص أثناء إقامته بتونس على الاتصال خاصة بالملك و حاشيته و كذلك بالأعيان و كبار مشايخ جامع الزيتونة و ألقى العديد من المحاضرات من دون أن يتناول المسائل التي قد تشير المشاكل و حتى بعد عودته إلى القاهرة بقى على احترازه و إن حافظ على مراسلة بعض الشخصيات و خاصة خليل بوحاجب إلا أنه ظل محترزا… لذا لا نجد له مادة هامه لنفهم   تصوره للإصلاح السياسي بتونس في عهد الحماية و موقفه من النظام  الذي ضبطه كمبون للحيلولة دون قيام الأهالي بأي معارضة و الذي كان يقوم على توطيد نظام البايات و دعم صلاحيات الباي الواسعة و الذي يتمتع بكامل السلطات التنفيذية و التشريعية  و الذي لا يحاسبه على أعماله إلا الله وحده و بعد موته  . و أقامه على أساس مبدأ النفاق الذي جمع بين  الصفة الدبلوماسية للحماية  و بالتالي عدم التدخل في الشؤون الداخلية و بين كونها نظام رقابة لا يخضع لأية مراقبة على حد تعبير الأستاذ بكلية الحقوق الجزائرية و مدير الشؤون الأهلية في الحكومة العامة بالجزائر  لويس مييو , و بتعلة أن الإدارة الأهلية تنطوي على جملة من النقائص لا يمكن أن ندعي القدرة على استئصالها لأنها كامنة في عادات العرب وعالقة بطبعهم كما جاء في نص مذكرة موجهة إلى نائب المراقب بباجة بتاريخ 18 فيفري 1899  , و لقد  قام بول كمبون)  ( Paul Cambon   بدعم الصلاحيات الواسعة للباي لكن جرده في الواقع من السلطة التشريعية بعد صدور الأمر العاشر من نوفمبر 1884 و الذي بمقتضاه أعطى للمقيم العام الحق في إصدار جميع الأوامر العلية و تطبيقها و دون استشارة الباي الذي أصبح دوره ختم الأوامر العلية من دون أن يستشار حتى في صياغتها و بالتالي كان له حكم البلاد بإسم الباي .

هل أن أولوية الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية في عهد الحماية كانت العائق أمام نضج النخبة لنقد الحكم الفردي المطلق و هذا التراث من السلف الطالح ؟

حين كنت مع الدكتور طارق الحجي  في سيارة الأستاذة  و الأم السيدة الفاضلة  آمال القرامي بشارع محمد الخامس بالعاصمة ذكر لنا أنه أقام بإحدى فنادق المتواجدة في ذلك الشارع في السبعينيات من القرن الماضي لكن تبقى هذه الزيارة هي الأولى له لتونس كصاحب مشروع تنويري من وجهة نظري

في محاضرته التي قدمها في المؤتمر الدولي الذي نظمته جامعة الزيتونة تحت عنوان : الدين و المجتمع المدني , و الذي انعقد في ما بين 12 – 14 أكتوبر 2010  ذهب إلى أن التقدم في المجتمعات التي وصلت إلى درجة ممتازة من النمو كان النتيجة لتأصيل هذه المجتمعات لقيم من خلال آليات متعددة و منها حركة الإصلاح الديني

و إن هذه القيم هي ما تحتاج إليه المجتمعات الناطقة باللغة العربية و أكد أن أول قيم التقدم هي العقل النقدي و الذي هو القيمة الأكثر تعرضا لهجمات التيوقراطيين و المستبدين لعلمهم بتجليات تأصيل هذه القيم خاصة من خلال المؤسسة التعليمية  .

و يمكن تقسيم هذه القيم إلى قسمين , أول يتعلق بالمعرفة و رؤى العالم  و الوجود و التاريخ الإنساني و منها بالخصوص الموضوعية أي تحدث عن الطبيعة دون الحديث عن عظمة الخالق أو الذات و  قيمة التعددية , و قيمة الغيرية و التي مفادها قبول الآخر أي يكون الخلاف و الاختلاف معه و عنه و هي بالتالي النتيجة للإيمان بالتعددية التي عليها أيضا تقوم قيمة التسامح , و قسم ثاني يتعلق بالعلاقات بين المواطن و المجتمع و الدولة و منها بالخصوص قيمة حقوق الإنسان و خاصة مكافحة التمييز ضد المرأة و حماية  الأقليات و مفهوم سيادة و علوية القانون و قيم المواطنة و الديمقراطية و المشاركة

في المكتبة الوطنية مساء يوم 15 أكتوبر 2010  و في محاضرته بعنوان تحديات الحرية و التقدم في المجتمعات  العربية المعاصرة – حسب نص الدعوة الصادرة عن المكتبة الوطنية و لكن المفكر سجل أنه يستخدم مصطلح المجتمعات الناطقة باللغة العربية حتى لا ينزلق بفكره الحر نحو التكرار و بدون التمحيص الثاقب للباحث  في بعض المصطلحات أين تختفي  وراءها  غوغاء الأيديولوجية القومية  - و قال أن المجتمعات الناطقة باللغة العربية محكومة منذ الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 إلى اليوم  بضرورة الاختيار بين خيارين الأول يزعم أن تأخر مجتمعاتنا كان و لايزال  بسبب عدم تمسكنا بالمنظومة الإسلامية كلها كمنهج حياة وعمل للأفراد والمجتمعات. أما المنهج الثاني فكان  (و لايزال) أصحابه يرون حتمية الأخذ بآليات الحضارة الغربية كشرط أساس لتقدم مجتمعاتهم. ويمكن القول (بقليل من التعميم) إن المناخ السياسي والثقافي والفكري والتعليمي في المجتمعات الناطقة بالعربية لايزال يشهد صراعاً بين هذين المنهجين: منهج الرجوع للجذور والأصول الإسلامية، ومنهج الأخذ بآليات وفعاليات الحضارة الغربية التي تجاوزت اليوم الغرب بمعناه الجغرافي، حيث صارت هذه الآليات في مجتمعات عديدة  خارج أوروبا

و تساءل لماذا إلى اليوم نجد أنفسنا من جديد أمام نفس الأسئلة التي طرحها رواد عصر النهضة ؟ لماذا فشل دعاة الحداثة أمام أتباع السلفية و إن كان أتباع العودة للجذور والأصول ليس لديهم ما يقدمونه إلا الوعود في أحلام اليقظة للعامة ؟

لذا على أهل الحداثة و التقدم القيام بنقد ذاتي و البحث عن الأساليب الجديدة لرفع التحدي و أكد  أن من أهم  ميادين المعركة هو التعليم و بما في ذلك التعليم الديني .  و قال  أنه : ”  في  خلال القرنين الماضيين تقدم أنصار العلم والعقل والحداثة في مجتمعاتنا قليلاً ثم حدثت انتكاسة فأصبحوا في المرتبة الثانية وبمسافة بعيدة وراء مدرسة الرجوع للجذور والأصول. وفى اعتقادي أن أسباب حدوث ذلك عديدة ولكن يبقى في مقدمتها  تواصل الجدل على المستوى الفوقي أو الكلى (الماكرو (macro) ) وعدم التركيز على التغيير الجذري في العقلية من خلال التعليم. فالحوار على المستوى الفوقي يبقى في غالبه قائماً على الشعارات وهى الأكثر جذباً للجماهير. وجل أنصار منهج العودة للأصول أصحاب شعارات جذابة للعامة، حتى وإن كانوا من أنصاف المتعلمين وأنصاف المثقفين كما هي حال أغلبهم

وحتى عندما سمحت الفرص بوجود قيادات قادرة على إنجاز رحلة العبور من ظلام الواقع لنور التقدم (كما حدث فى تركيا  وكما حدث في تونس)، فإن العمل في مؤسسات التعليم لم يكن كاملاً ولم يكن شاملاً بل وصل حجم التعليم الديني (منبت الصلة بعقلية التقدم والحداثة) في بلدان  مثل تركيا ومصر ما بين 15% و20% من أبناء وبنات المجتمع المنخرطين في العملية التعليمية.

وفى اعتقادي أنه رغم صعود موجة الرجوع للأصول والجذور، فإن الوضع العالمي وحركة التاريخ هي في صالح القيادات السياسية وقيادات المجتمع المدني والنخب المثقفة وقيادات التعليم والإعلام المؤمنين بالتقدم، وسيكون بوسع هؤلاء في ظل هذه الظروف العامة أن يبذروا بذرة الإصلاح في أرض التعليم بوجه عام والتعليم الديني بوجه خاص ” .

و بكلية  الآداب والفنون و الإنسانيات بمنوبة   يوم السبت 16 أكتوبر ألقى د . طارق الحجي  محاضرة بعنوان : سجون العقل العربي ,

و قال أن العقل أسير وراء ثلاثة سجون سميكة الجدران و هي :

أ (   الذهنية الدينية

في حديثه عن السجن الأول انتقد التعالي عن التاريخ عند المسلمين و تساءل كيف يكون ما يعتقد المعاصرين أنه الدين الإسلامي و الذي ما هو إلا تجربتنا الثقافية و التاريخية ؟ و تؤكد ملاحظته  بأن الانتشار الكاسح اليوم  لفهم الفقه حسب ابن حنبل و رجاله و خاصة ابن تيمية و ابن قيم الجوزية و الداعية محمد بن عبد الوهاب –  و إن كان ابن حنبل محدث أكثر منه مجتهد -صحة ما ذهب إليه من أن الأمر  يعود إلى الاستبداد و الاضطهاد السياسي الذي مارسه الخلفاء و هل كان من الممكن أن يصل  إلينا فقط 4 مذاهب من  سبعين مذهبا تقريبا  لولا غلق باب الاجتهاد و جبر العامة على الاختيار بين واحد من المذاهب الأربعة ؟

وقال تيار ابن حنبل  لا يترك مساحة تذكر للعقل والرأي وإنما لديه أحاديث تنظم شتى جوانب الدين والدنيا بكلِ تفاصيلِها. ويضاف لذلك أن العقلَ الإسلامي واجه ما يشبه المعركة بين أبي حامد الغزالي والذي لا يؤمن بأن العقلَ قادرٌ على إدراك الحقائق وبين ابن رشد أكثر مفكري العرب إعلاءً لشأن العقل؛ وهو ما يتضح من التناقض الواضح بين آراء الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) وآراء ابن رشد في كتابه الفذ (تهافت التهافت). والخلاصة أنه في عالم الفقه (وهو عمل بشري محض) فقد كان التوسع للمدراس التي تحبذ قبول آلاف الأحاديث عن إِعمال الرأي؛ وبمحاذاة ذلك ففي عالم الفكر ( علم الكلام بلغةِ العرب في ذلك الزمان والفلسفة بلغةِ العصر) فقد كانت أيضًا الغلبة لمدارس النقل والحدس (الغزالي) وقلة أثر مدرسة العقل (ابن رشد) (وإن كان الأوروبيون هم الذين استفادوا من أطروحات ابن رشد).

ب ( تخلف مناهج التعليم

و في تناوله للسجن الثاني المؤسسة التعليمية و مناهج التلقين التي انتهت صلاحيتها قال ففي حين شرعت الدول المتقدمة منذ أربعة عقود في استبدال التلقين بالإبداع في منهاجها التعليمية، لم يحافظ العرب على النظام القديم فحسب بل أدخلوا عليه تعديلات أرجعتنا إلى الوراء

ج ( الخوف الهستيري من الآخر

أما في تشخيصه للسجن الثالث فقد قال أنه مرض أسمه الهوس من ضياع الهوية و لاحظ أنه ترتفع التحذيرات من أننا كلما تعاملنا مع الآخر كلما كنا عرضة للغزو الثقافي و فقدان الهوية , في حين أن التعامل مع الآخر هو السبيل الوحيد للبناء و البقاء ، أما غلق الأبواب فإنه يعزز التخلف و اندثار. و في كتابه : سجون العقل العربي , كتب بدون الإيمان بأن (الإنسانية) أعلى وأسمى من (أية حضارة) فإننا نكون من جهة مخطئين ومن جهة سائرين على دربِ التعصبِ والعرقيةِ

و أكشفت مع د. طارق الحجي في بيت الشعر مساء يوم السبت 16 أكتوبر و لأول مرة في حياتي إحدى روائع نزار قباني  هوامش على دفتر النكسة و التي كتبها في أعقاب هزيمة 1967 و خاصة الأبيات التي يقول فيها

إذا خسرنا الحربَ لا غرابهْ

لأننا ندخُلها..

بكلِّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهبِ الخطابهْ

بالعنترياتِ التي ما قتلت ذبابهْ

لأننا ندخلها..

بمنطقِ الطبلةِ والربابهْ

و حول ما طرح المفكر طارق الحجي لي الملاحظات التالية :

أولا: إلى جانب حركات الإسلام السياسي فإن الحركات الوطنية و الأنظمة في دول العربية و الإسلامية ما بعد الاستقلال تتحمل المسؤولية في الوضع الحالي و إني أتفهم حاجتها   في عهد الاستعمار لتتخذ من الهوية الأرضية لمقاومة الاحتلال فأني لا أقبل و بعد الاستقلال  أن تتخذ من الخصوصية الحضارية وسيلة لتبرير التهرب من التقدم في مسار الإصلاح و السيادة الوطنية تعلة لتبرير انتهاك حقوق الإنسان و خرق القانون

ثانيا: في المجتمعات الناطقة باللغة العربية أين الخطاب الشفوي هو الوسيلة الأكثر استعمالا للتواصل و تمرير القيم و أين أدنى نسبة في ساعات المطالعة للفرد على مدى سنة في العالم و صحيح أن للقادة العسكريين القدرة و عبر الدولة و القانون على  توطين قيم الحداثة – حالة تركيا – لكن يبقى الخيار الأنجع هو توطين قيم التقدم و الحداثة عبر النضال السياسي – حالة بورقيبة – , و أعتقد أن البرادعي قادر أكثر من آل مبارك  بمصر في المستقبل على إحداث التغيير الثقافي الذي يمس القيم و النظام المنتج للمعرفة

ثالثا: و إن كنت أتفق مع د . طارق الحجي  من أنه ليس أمام المثقف إلا و فقط التصادم مع الحكومات القائمة فالعمل من داخل الأنظمة الحالية كما من داخل أحزاب المعارضة الموجودة على الساحة ما هي إلا وسائل و الأهم أن تكون الغاية هي توطين قيم التقدم و الحداثة و إحداث التغيير الثقافي الذي يمس جوهر القيم و التفكير و بكل الوسائل و الأساليب و من كل المواقع و في كل الميادين و المجالات إلا أنني أعتقد أن انخراط المثقف في  النضال السياسي من أجل الحرية هو السبيل الأكثر نجاعة لتحقيق الأهداف … و هل من الحكمة و نجاعة أن يكون توطين الحرية عبر الاستبداد ؟ و هل يأكل المرء بشكل عادي حتى العسل قدم له  في إناء قذر  ؟ …  شخصيا أفضل النضال من داخل المجتمع المدني

جوهر التاريخ الحركة كما كتب صدر الدين الشيرازي و حتى أولئك الذين يريدون منا العودة ثم تجميد التاريخ لحظة التجربة المحمدية هم أنفسهم – و إن في الشكل و عبر الارتقاء في ازدواجية الخطاب – يتغيرون. و حين كنت أسمع في النقاش مداخلات  بعض الإسلاميين و خاصة كلام  العجمي الوريمي الناطق بإسم حركة الاتجاه الإسلامي بالجامعة سابقا و الذي – بدهاء السياسي و بعقلية الأشعري التي تقوم على  استخدم أدوات العقل لدفعك للإيمان باللاعقل – عمد  إلى البحث عن دفع  د . طارق و من وراءه الليبراليين إلى فخ التفاهم على أرضية على شكل التحالف السياسي 18 أكتوبر و كأننا لا نعرف ما حصل في إيران ؟ و كأن د. طارق الحجي لم يكتب في كتابه سجون العقل العربي في الباب الأول في الفقرة الأولى من المقدمة من أنه يهدف من هذا الباب : ” إلى  أن يضع أمام القارئ المَعْنِيَّ بأمر الإسلام السياسي حقيقة أن الجناح الأكثر تشددًا بين المتأسلمين لا يكف عن محاولةِ الإطاحةِ بكل الأجنحة الأكثر وسطية واعتدالاً داخل عالم المتأسلمين، ناهيك عن عدائه غير القابل للانحسار لغير المسلمين كافة.
عندما هُزم الاتحاد السوفيتي في أفغانستان بعد قرابة عشر سنوات من الحرب بين المجاهدين والسوفيت الذين غزوا أفغانستان في أَواخر السبعينات، تمكن الجناحُ الأكثر تشددًا على الإطلاق من تصفية باقي الأجنحة وانتهت أفغانستان لقمةً سائغةً في فم طالبان والملا عمر.
وفي إيران (منذ 1979) أسفر الصراع بين المتشددين والمعتدلين بعد ربع قرن عن تقدم كبير للمتشددين وتأخر كبير للمعتدلين. وكانت آخرُ حلقات تقدم المتشددين متمثلة في فوز أحمدي نجاد بمنصب رئيس الدولة – وهو رجل بالغ التشدد انتخبه ناخبون بالغو التشدد أيضًا.
ولكنني أُريد هنا أن أعطي القارئ صورة أكثر وضوحًا عن حقيقة أن الجناح الأكثر تشددًا في عوالم المتأسلمين لا يكف عن محاولة طرد وتصفية الأجنحة الأخرى المعتدلة والوسطية (والاعتدال هنا نسبي أي بالنسبة لذروة التشدد وليس بالنسبة للآراء العصرية ومفاهيم وقيم المجتمعات المتقدمة) ” . كنت أسمع و أنا أتصور ما كان قد حصل مع المعتزلة و ابن رشد و ما حدث مع الشيخ محمد عبده من رفض لمواقفه خاصة تلك التي تتعلق بالبدع و أكل لحوم الحيوانات الأنثى و لباس القبعة… فكان لي المزيد من اليقين أن التاريخ إلى جانب أولئك الشجعان الذين لهم القدرة على تحدي الاستبداد و الذهنية الدينية في نفس الوقت.

و إن كان الشيخ محمد عبده قدم للتونسيين في بداية القرن الماضي حكمة مفادها أن السبيل للتخلص من الاستعمار و التخلف هو التعليم , فإن المفكر طارق الحجي قال للتونسيين في بداية الألفية الثالثة أن التحرر من السجن الكبير – لا على المعنى الذي ذهب إليه راشد الغنوشي الذي لا يري الوجود إلا من ذاته بشكل مرضي فكان منه الخلط بين وضعه و أتباعه و أوضاع كل التونسيين و هذا غير الواقع و لكن على المعنى الذي ذهبت إليه  هيومن رايتس ووتش و هو الأدق –   يكون بتحرير العقل من سجونه و أولها هذه السجون  الذهنية الدينية التي تدفع بالمؤمن بها للموت البطئ أو للانتحار إنها شئ حقير لا بل إنها سم قذر

عدنان الحسناوى

لا يوجد ردود

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer